December 22, 2007

ولكم فى القصاص حياة



ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون
*(البقرة - 179)*



قانون إلهى غاب عن حياتنا كثرا... ولربما كان هو السبب فى الفوضى العارمة التى عمت حياتنا اليومية والتى تتسبب بدورها فى زيادة إحساسنا بالوقوع تحت ضغوط كثيرة لا نعرف سبيلا للخلاص منها.


والمقصود بالقصاص ههنا ليس هو ثأر الجاهلية، بل هو رد الحق لكل صاحب حق.فإذا قاد أحدهم سيارته بتهور فأصابك أو أصاب سيارتك أو ممتلكاتك، فلك أن تطالبه بدفع ثمن خطأه من دية أو تعويض أو خلافه.. أو إذا ألقى جارك بشىء ما من شرفة منزله فأصابك أو أصاب ممتلكاتك بسوء فلك أن تطالبه بدية وتعويض لكي يتعلم أن يكون حريصا على غيره فى المرات القادمة ...


والإشكال هو أننا اعتبرنا أنفسنا أكثر رحمة من الرحمن الرحيم الذى سن هذا القانون، فأصبحنا ليس فقط نتنازل عن حقوقنا، ولكن نثنى كل مطالب بحق عن عزمه وعن حقه، ونعتبر من أصر على إتيان حقه أو طلب التعويض وسعى للقصاص إنما هو جبار شقي مفتري فضاعت الحقوق وتاه معها النظام والإحساس بالمسئولية لأنه لم يعد المخطئ يسأل!!



وأكبر مثال على أثر هذا التهاون فى الحقوق وتسببه فى إحداث فوضى عامة فى المجتمع، هو ما يحدث فى الشارع المصرى وخاصة فى المرور.. فإذا تفذلك قائد تاكسى أو ميكروباص ومشى فى الطريق المخالف أو مطفئا الأنوار ليلا، أو بسرعة شديدة أو بعمل "غرز" فأصاب شخصا أو سيارات أخرى، وإذا وقف صاحب السيارة المصابة أو أهل القتيل أو المصاب يصيحون بغضب ويطالبون بحقهم وطلب الشرطة، أثناهم الناس عن عزمهم "يا راجل حرام عليك.. ده سواق غلبان.. يعنى هتاخد منه ايه... ربنا يعوض عليك.. العوض على الله.. إلخ" هذا إذا ما لم يتطوع صاحب الحق نفسه بالتنازل عن حقه، وهكذا حتى أصبح الفقر مبررا للتهور والتنصل من المسئولية واللامبالاة. فلا يحق لك أن تطالب بحقك من أحدهم لمجرد أنه فقير.. فيصبح لهذا الفقير الحق فى أن يفعل ما يشاء وأن يعيث فى الأرض مفسدا ومهلكا للأرواح والممتلكات وهو يتمتع بحصانة الفقر!! وليست حادثة الفنانة سهير البارونى عنا ببعيدة، إذ صدمت سيارة ميكروباص ابنتها الوحيدة (والتى هى أيضا أما لطفيلين يتيمين) وأردتها قتيلة، وأخلى سبيل السائق الذى لم يكن يحمل أصلا رخصة قيادة لأنه "غلبان" !! مع العلم أن سبحانه وتعالى حين أنزل هذا القانون الحكيم، لم يستثن الفقراء فيقول مثلا "ولكم فى القصاص من الأغنياء حياة" أو "ولكم فى القصاص حياة إلا من الفقراء والجهلاء" !!!


وهكذا فقد أصبح للفقراء حصانة الفقر التى بها يعيثون مفسدين تماما كما لدى الأغنياء حصانة البرلمان أو الواسطة أو المال...


صحيح أن الله تعالى أمر بالتسامح والعفو، ولكنه هو أيضا من سن قانون القصاص، حتى إذا ما زاد التسامح عن حده، ونخرت الفوضى كالسوس فى المجتمع، وجب القصاص حتى تعود الأمور إلى نصابها..


ولكن متى نستخدم قانون العفو ومتى نستخدم القصاص؟ فحسب رأيى المتواضع (واللهم اغفرلى إن كان خطئا) ليس عندما يكون المخطئ فقيرا، فكما أسلفنا فإن الله لم يستثن الفقراء من قانون القصاص، بل عندما يكون الخطأ غير مقصود، فمثلا -ولنطبق مثال المرور مرة أخرى - إذا كان أحدهم يقود سيارته بحكمو وبالتزام، وحدث أن انفجر إطار سيارته وفقد السيطرة عليها فتسبب فى إصابة سيارتى، فهنا يمكن أن نعفو ونصفح عملا بقوله "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، أما الضرر الناتج عن إهمال ولا مبالاة وتهور وجهالة فلا يصح التهاون ولا العفو فيه مطلقا... والله ورسوله أعلم.. ولهذا فعلى الدولة تطبيق قانون القصاص بالإجبار، فحتى لو تنازل صاحب الحق عن حقه، فلا يعفى المخطئ من دفع ثمن خطأه فتقوم الدولة بتحصيله وهكذا تضمن الدولة دخلا لها بطريقة شرعية تعيد النظام إلى الشارع بدلا من الرشاوى والإتاوات والضرائب غير المنطقية و "التلكيك" بأنك مش رابط حزام الأمان حتى وأنت تقف بالساعات فى إشارات مدينة نصر أو شبرا الخيمة!!

7 comments:

Hook said...

و المقولة الشهيرة "العوض حرام!!"

Anonymous said...

مع المد الأصولى فى السبعينات ....... ساد فى الشارع المصرى مفرد جديد مفاده ... اوعى تقبل العوض... و العوض عند صاحب العوض ...
ده كان واضح جدا فى الشارع لما سيارة تخبط فى اللى قدامها من الخلف أو تتجاوز المرور او سائق يمر من تقاطع دون تنبيه أو تروى ...
و أول ميقع المحظور ... تنشق الأرض عن ولاد الحلال الذين يأخذون جانب السائق الغلطان و غلطه و استهتاره فى وضوح شمس يوليو فى عز الظهر ...
معلش يا باشا ؟؟؟
هتاخد منه ايه ده سواق غلبان بيجرى على كوم لحم ؟؟؟
و ولو كترت فى الكلام و صممت تاخد حقك .... تجد من يزغر لك شاهرا فى وجهك الجملة السحرية ................ انت هتقبل العوض ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
فتشعر فورا بأن هناك من يتهمك بالكفر و الزندقه ....
وتحولت من مجنى عليه الى متهم !!!!!!!!!!
و أن المدعوعوض هذا شيطان رجيم يجب اجتنابه .... و البعد عنه ... و أن تتحمل تصليح سيارتك بمعرفتك و تدفع دم قلبك .... و مفيش مانع تساهم فى تصليح سيارة اللخبطك و عورك .. بدلا من أن تتهم بقلة الدين و مخالفة الجماعة
و هكذا مارس عم عوض نشاطه بهمه و عزيمه حتى صار من أدبيات قواعد المرور فى الشارع المصرى تماما مثل ممنوع الدخول ... ممنوع الأنتظار ... " ممنوع أخذ العوض "
و رويدا انتقل نشاط عم عوض من الشارع الى بقية انشطة حياتنا و تعاملاتنا ..
و مارس عم عوض مهامه بصور متعدده .. فيهمل حارس العقار فى حراسته و عندما يسطو اللصوص على شقة و يقتحموها و يرغب الساكن فى اتهام البواب ... فورا سيقفز أمامه بقية السكان شاهرين عم عوض فى وجهة ..

و اختلط الأهمال بالتسيب بالا مبالاه ... و ضاع العقاب ... و اهدرت الحقوق .. و ضربت الفوضى فى اطناب المجتمع
و عشنا العشوائية بكل مفرداتها ....
و عليه " العوض " فيكى يا بلد

Hook said...

كلام جميل لا أختلف معاه تقريبا...
بس ايه علاقة العوض بالمد الأصولي؟!

عاليا حليم said...

موضوع جميل و مهم أتفق معاكى فى الفكرة عامة هى دى فعلا لا مبالاة ، بس اختلف معاكى فى تفسيرك لأية الكريمة على ما اعتقد و حسب معلوماتى المتواضعة أن المقصود فى الأية القصاص فى حالة الجريمة قتل وسرقة و خلافه

شكرا جزيلا على زيارة مدونتى

Cleo said...

الأخت الفاضلة عاليا حليم.. أشكرك على مرورك الكريم :-).. الإسلام طالب بالقصاص فى كل الحالات.. القتل، السرقة، وحتى الخسارة اللى نسببها للغير عن طريق الخطأ.. أى تعويض أو عقاب بيقع على شخص أخطأ فى حق غيره هو قصاص... والله ورسوله أعلم :-)

Cleo said...

Hook
ماهو المصيبة الأكبر ان احنا كمان بقينا نحرم ونحلل على كيفنا..!!

Cleo said...

باشمهندس حسن (Anonymous)

فعلا بقت كلمة العوض حرام وانت هتقبل عوض؟ أصبحت كروت إرهاب.. وعيبة كبيرة وكأن احنا بنفهم أحسن من اللى سن قانون القصاص !!